الإنسان والمكان في قصة "حي بن يقظان"

دمشق -صحيفة تشرين -ثقافة وفنون الاثنين 8 شباط 2010 د. محمد جمال طحان في أمسية فريدة من نوعها اعتلى الدكتور أحمد زياد محبك يوم الأربعاء الماضي منبر فرع اتحاد الكتاب العرب بحلب، الذي يأمن سرّه، ليقدّم محاضرته مباشرة من غير أي تقديم، في ظل غياب باقي أعضاء المكتب. التساؤل الأساسي لدى د. زياد محبك تركّز في: هل يؤثر الإنسان في المكان؟ أم هل يؤثر المكان في الإنسان؟ هل يستطيع الإنسان أن يحقق ذاته وهو يعيش وحده في جزيرة معزولة عن العالم؟ هل تساعد العزلة على تحقيق الذات؟ هل حقاً يستطيع الإنسان أن يكون أكثر براءة ونقاء وصدقاً إذا كان يعيش وحده؟ وهل المجتمع البشري مناقض لتلك المعاني ولا يساعد على تحقيقها؟ وقد أجاب، من خلال محاضرته، عن بعض تلك الأسئلة، في عناوين رئيسة .
الجزيرة المعزولة: الإنسان ـ المكان ـ الفكرة رأى د. محبك في محاضرته أن قصة حي بن يقظان تقوم على ثلاثة عناصر أساسية، هي: الجزيرة، وحي بن يقظان، والخلوص إلى الله، والعنصران الأول والثاني محسوسان، والعنصر الثالث فكرة مجردة، ولكن العناصر الثلاثة منسجمة، فالجزيرة هي المكان، وحي هو الإنسان، والفكرة هي الغاية، وهي تسعى إلى التعبير عن قدرة الإنسان على تحقيق المعرفة وحده، بقواه الذاتية، من غير معلم، وعلى الوصول من المحسوس إلى المجرد، ومن الجزئي إلى الكلي، والإيمان بالله، بل الخلوص له وحده. الولادة تبدأ علاقة حي بن يقظان بالمكان منذ ولادته، وهي علاقة عجائبية، على الرغم من تعدد الروايات واختلافها، بل إن هذا التعدد نفسه شكل من أشكال العجائبية، فثمة رواية تحكي أنه ولد خارج الجزيرة، ثم حمله المد إليها، إذ وضعته أمه في صندوق، ثم ألقت به في اليم، وفي هذه الرواية طيف من قصة موسى عليه السلام، كما وردت في القرآن الكريم، يمنحها قدراً غير قليل من المعقولية، ولكنها تظل من العجائب، فتلك قصة نبي، وهذه قصة إنسان عادي، وتلك من كلام الله، وهي مصدقة، وهذه من تأليف بشر وخياله، ولذلك فهي عجيبة. الاستكشاف والكشف إن علاقة حي بن يقظان بالجزيرة تتمثل في مغامرة التعرف الأول، والكشف البكر، بالنسبة إلى حي بن يقظان وبالنسبة إلى الجزيرة على حد سواء، وما أشبه حي بن يقظان بآدم، فهو في هذا العالم وحده، وهو لا يعرف شيئاً، ولم يخض من قبل أي تجربة، وكل شيء بالنسبة إليه جديد، وكل أسلوب من أساليب تعامله أو موقف من مواقفه هو جديد وغير متوقع، والجزيرة نفسها تساعده على ذلك، بل هي مهيأة له، وهذا هو سر مناسبة المكان لفكرة القصة وهدفها، ومناسبة المكان للشخصية. إن وقوف حي بن يقظان على حقيقة الروح وتعلقه بها، وانصرافه عن الجسد، منذ البدء، يحدد شخصيته كلها، ويحدد شخصية الجزيرة، ولذلك يكتشف في الجزيرة ما يكتشف، ويعرف ما يعرف، ولكنه يوظف ذلك كله من أجل التوجه إلى الله وحده، والخلوص له وحده، والأمر لا يتعلق بتطور في شخصه، إنما يتعلق باستعداد وتهيؤ منذ البدء. تحقيق الذات إن شخصية حي بن يقظان محددة منذ البدء، وهي الخلوص لله تعالى، وهو مهيأ لهذا الخلوص، وشخصيته هي التي حددت شخصية الجزيرة، ولكن الجزيرة هي التي ساعدت حي بن يقظان على تحقيق شخصيته، فهو يتعلم دفن جثة أمه الغزالة في التراب من الغراب الذي دفن جثة أخيه الغراب الميت، والموقف مستوجى من القرآن الكريم، في قصة ولدي آدم، ويتعلم حي من الطير كيف يستر جسمه بالريش، ثم من جلد الحيوان، ويصطنع الرماح والتروس، ويتخذ من جحر سكناً له، ثم يعيش في مغارة، ويصنع لها باباً، ويستألف بعض الحيوان، ويحفظ فضلة الطعام، ولا يرميه، ولكنه لا يدخره ولا يخزنه، فهو يتعلم من الجزيرة كل شيء، وهو لا يغير في معالم الجزيرة، بل يحافظ عليها. المكان ـ منطلق التقرب إلى الله يتميز هذا الإنسان بأنه يحقق ذات الإنسان العارف المسالم الباحث عن النظر إلى الذات الإلهية، وليس الإنسان الساعي إلى تحقيق ذاته بالطعام والشراب والتملك، ولذلك لا يتدخل في المكان إلا بقدر ما يخدم هذا الهدف الشريف، بل إنه كان يصون الجزيرة ويرعاها ويرعى كائناتها. إن حي يعنى بالكائنات كلها، لأنه يدرك أن فيها روحاً، وأن الروح واحدة، وأن لهذه الروح أشكالاً مختلفة من التجليات في الأجسام، ولكن الجوهر واحد، ولعل أسمى أشكال التجلي للروح هو في الإنسان. ولعل أهم ما مارسه حي بن يقظان في الجزيرة هو الخلوص لله تعالى، والتمثل بصفاته، ما أمكن، وأول خطوة كانت الرضا بما يعطيه، ويقسمه له. والخطوة الثانية هي الاستغراق في التفكير، فكان يغمض عينيه عن رؤية المحسوسات، ويعمل ذهنه في فكرة واحدة، وهي التفكر في الله، حتى لا يشغل ذهنه فيما سواه، لأن الوصول إلى معرفة الذات الإلهية لا تتحقق بشيء من الحواس. تلك هي غاية القصة، وهي الغاية من الجزيرة، وهي الغاية من حي بن يقظان، ولأجل هذه الفكرة الجليلة بني فضاء القصة، ولتأكيد ذلك كان لا بد من ابتلاء حي بن يقظان بالرحيل إلى جزيرة أخرى، ولقاء الناس، ليعرف حقيقة ذاته، وحقيقة ما توصل إليه بالكشف والاكتشاف. ويصل حي بن يقظان مع أسال إلى الجزيرة المأهولة، فيقبل عليه الناس يستمعون إليه، ويتلقونه في البدء بالإعجاب والتقدير، ولكن سرعان ما ينفرون عنه، عندما يأخذ في الحديث إليهم عما عرف واستكشف، وما حصل معه من الكشف، فيدرك أنهم مشغولون بالحياة، آخذون بالقشور، وأنهم متعلقون بالأسلاب والأموال، وأنه لا طاقة لهم بما هو عليه، فيعزم على الرجوع إلى جزيرته، ويرجع معه أسال. وقد ختم د. زياد محاضرته مؤكداً أن القصة تمنح المتلقي عالماً من البراءة والنقاء، والطهر والصفاء، تخلصه من قصص الحرب والحب، وتنجيه من مشكلات الحياة وأعبائها. |