مكتبة برسم الإهداء بقلم عبد الرحمن عمار 

كما وعدتكم أعزائي القراء في الزاوية الماضية أن أحدثكم عن صديقي الحلبي .. وها أنذا أفي بوعدي، تنفيذاً مني للقول المأثور: إنّ وعد الحر دَيْن ". ولقول الصاحب ابن عباد " وعدُ الكريم ألْزَمُ من دَيْن الغريم " ولقول الشاعر: إنْ قلتَ في شيءٍ نَعَـمْ، فأتِمَّـهُ فإنّ نعَمْ دينٌ على الحرِّ واجبُ وإلاّ فقلْ: لا، واسْتَرِحْ وأَرِحْ بها لكي لا يقولَ الناسُ إنَّكَ كاذبُ منذ سنوات ربطتني بـ " ج ـ ط " الحلبي صداقة نقيّة، فكما هو معروف عن الحلبيين أنهم طيّبون.. مخلصون، فصديقهم صديق وعدوّهم ليس بعدو، فهم يتعاملون مع ذلك العدو ـ إنْ وُجد ـ بمضمون العبارة الحلبية التالية: اترُكْه لربه.. خاي ".
وصديقي أديب نشط، ومعروف على مستوى محافظة حلب وغير حلب.. ونال شهادة الدكتوراه عن كتاب هام لأهم مفكر من مفكري التنوير في أواخر القرن التاسع عشر، وهو ما شاء الله يكتب الشعر والقصة والقصة القصيرة جداً والدراسة والمقالة الصحفية، وله من الكتب المطبوعة العدد الكبير، أي أنه في الأدب " مسبّع الكارات " كما يقول المثل الشعبي. وكان لصديقي هذا مكتبة بيتية عامرة، حدّثني عنها كثيراً دون أن أراها، وكان حريصاً عليها أشدّ الحرص، بحيث إذا ما أعار كتاباً ما لصديق ما، يقوم بتسجيل تاريخ الإعارة واسم الكتاب واسم المستعير، وتاريخ إعادة الكتاب. وقد قرأت له في إحدى السنوات زاوية صحفية، يستنكر فيها تصرّف أحد الأصدقاء الذي استعار منه كتاباً، حيث لم يقم الصديق المستعير بإعادة الكتاب، وعندما طلبه صديقي من صديقه، أنكر أنه استعار منه أي كتاب، فذكّره باسم الكتاب وتاريخ الإعارة، مما هو مدون في سجل المكتبة الدقيق، فأصر صديق صديقي على الإنكار، أي أنه بصريح العبارة " لطش الكتاب " دون أن تهتزّ له شعرة من ضميره، إن كان للضمير شعرٌ يهتز. فهل يتصوّر أحدكم أن مثل هذا الصديق.. سيأتي عليه يوم يحاول فيه أن يتخلص من مكتبته العامرة..!!؟. بالتأكيد قد لا يصدق أحد ما ذكرت. أما أنا فأقول: صدقوا يا جماعة، ولديّ من الأدلة والمستمسكات ما يؤكد ذلك. منذ مدة قصيرة كنت في حلب لإحياء أمسية شعرية مع شاعرين آخرين، بدعوة من مديرية المكتبة الوطنية بحلب، والتقيت مع صديقي " ج ـ ط " بالطبع، وسهرنا معاً في أحد المقاهي الشعبية، إضافة إلى بعض الوجه الحلبية الممتعة، ولم يحدثني، لا من قريب ولا من بعيد، عن نيته في التخلّص من مكتبته البيتية، وبعد عدة أيام جاءتني منه رسالة بالبريد الإلكتروني، عنوانها: كتب للإهداء ". وهذا نصها: " الأصدقاء الأعزاء، السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنوي بيع مكتبتي أو إهداءها فمن يرغب منكم في الحصول على كتب تهمه ( إهداءً مني ) أرجو تزويدي بعناوينها كي أرسلها له، علماً أن المتبقي لدي حوالي ثلاثة آلاف عنوان، كما يمكنكم تحديد موعد لزيارتي كي تحصلوا على الكتب التي تشاؤون..والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته" . فأجبته بالرسالة المختصرة التالية " أقلقني محتوى رسالتك كثيراً.. فبالله عليك.. لماذا تريد أن تتخلص من مكتبتك..!!!!؟. أجبني " . فكان جوابه عن سؤالي هو التالي، وبدون أية مقدمات: ضائقة نفسية ؟! ضائقة وجودية ؟!!ضائقة معرفية ؟!!.. ضائقة إجتماعية ؟!!.. ضائقة مكانية ؟!!.. ضائقة إقتصادية ؟!!.. يا صديقي بالفعل جننت، وغدوت يائسا من الزمان وأهله.. ربما أيضا.. محبط من كل شيء ومن فكرنا العربي وقيمنا الزائفة..". إن هذه الرسالة تدل دلالة قاطعة على أن صديقي الحلبي ومعه الأديب العربي عموماً يعيش في غربة روحية قاتلة، ولن أزيد في التحليل أكثر من ذلك.. فأجبته بعد أيام " كان الله في عونك وعوني، ويسّر أمرك وأمري، وحافظ على مكتبتك ومكتبتي ". ولم أفكر أبداً أن يهديني صديقي بعض الكتب، أو أبدي له استعدادي للشراء، لسبب بسيط، وهو أنني لا أريد أن أفقد صديقاً، وأكونَ سبباً في انهيار مكتبته التي أمضى حياته في بنائها. فهل أنا، عزيزي القارئ، على حق أم مغفّل.. أجبني يا رعاك الله. |